U3F1ZWV6ZTE1MzYyNDg5ODgxNzQ4X0ZyZWU5NjkxOTg3MDI0OTc4

ما حقيقة ظهور المسيح الدجال... وهل يجب علينا أن نصدق ما نسمع؟



** ما حقيقة ظهور المسيح الدجال... وهل يجب علينا أن نصدق ما نسمع؟


   لقد استولت على أسماع الناس وعلى عقولهم خلال زمن كورونا، أخبار كثيرة في منصات ومواقع التواصل الاجتماعي تشترك جميعها في تشبيه الأحداث المعاشة بعلامات الساعة...  لكن أبرزها تلك المتعلقة بظهور المسيح الدجال ودعوته للناس والحديث عن أوصافه وهيئته وقدراته الخارقة للعادة...
فهل سيظهر هذا المخلوق فعلا أم أن هذا يعد من الخرافات التي لا أساس لها من الصحة في الإسلام.

   إن الخوض في مثل هذه الغيبيات يمكنه جذب الملايين من الناس، حيث يعتمد أصحاب هذه القصص على أحاديث منسوبة لرسول الله (ص) يعتبرونها "صحيحة" رغم مخالفتها للمنطق وتناقضها مع كتاب الله تعالى. 

   وفي هذا الصدد نشرت أحد المواقع الالكترونية العربية مقالا للكاتب السعودي عبد الله الرشيد بعنوان "حقيقة المسيح الدجال بين ابن عثيمين ورشيد رضا"، حيث عرض فيه مختلف الآراء التي تناولت مسألة ظهور المسيح الدجال، وفيما يلي بسط لأهم الافكار الواردة في المقال:

** رضيع يهودي:
   في مستهل المقال عرض الكاتب خبرا يندرج ضمن "أخبار العجائب والشائعات التي تنسج حول علامات آخر الزمان" تم نشره في صحيفة "الشمس" السعودية بعنوان "داعية سعودي يصرح : الطفل الإسرائيلي المشوه ليس المسيح الدجال"...

   حيث أشارت الصحيفة إلى أن الداعية الإسلامي "خالد الشايع" قد فند المزاعم التي تقول بأن واقعة ازدياد الطفل الرضيع ذو الخلقة الغير سوية في إسرائيل، بعين واحدة في منتصف الرأس هو المسيح الدجال.  مستبعدا صحة هذه الشائعة، حيث أكد أن المسيح الدجال ليس أبدا طفلا ننتظر ولادته، بل هو حي يرزق ويبلغ مبالغ الرجال في تقديره العمري. مضيفا بأن الذين يرددون هذه الإشاعات جاهلون بواقع العلم الشرعي.
  هذا وقد ظهرت شائعات مماثلة متعلقة بالمسيح الدجال في السعودية وإيران وباكستان.
وبحسب كاتب المقال، فإن تعليق الداعية الشايع يساير ويمثل الرأي الفقهي السائد الذي يستند على حديث الجساسة في صحيح مسلم: من حديث فاطمة بنت الضحاك في القصة التي رواها تميم الداري: والتي مفادها  أن المسيح الدجال يعيش حاليا في جزيرة لا يعلم مكانها إلا الله تعالى، وهو حي إلى يومنا هذا.

   هذه الرواية وكما هو معروف هذا هو نصها: "حين دخلوا الجزيرة. فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر. لا يدرون ما قبله من دبره. من كثرة الشعر. فقالوا: ويلك! ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة. قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم! انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير. فإنه إلى خبركم بالأشواق. قال: لما سمت لنا رجلا فرقنا منها أن تكون شيطانة. قال فانطلقنا سراعا. حتى دخلنا الدير. فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقا. وأشده وثاقا".. إلخ.

** موقف متفرد لابن عثيمين:
  وأضاف الكاتب عبد الله السعودي الرشيد في مقاله، أن هذا الحديث وبالرغم من وجوده في صحيح مسلم، إلا أن الشيخ محمد بن عثيمين قد رفضه ورده، معتبرا إياه مخالفا لنصوص أخرى أكثر وضوحا... ومصححا بأن المسيح الدجال مخلوق سيولد أوسيخرج في آخر الزمان، وليس شخصا حيا يعيش حتى اليوم في جزيرة مجهولة. مشيرا إلى أن الحديث "لا تطمئن إليه النفس، وفيه منه شيء". وبذلك خالف ابن عثيمين  رأي أغلب الفقهاء والمحدثين.

  واستمر الكاتب السعودي في بسط رأي ابن عثيمين قائلا بأن ابن عثيمين عندما سئل مرات كثيرة عن موقفه من حديث الجساسة في صحيح مسلم أجاب بالقول:
 "ذكرنا هذا مستدلين بما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "إنه على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد"

  مضيفا :"فإذا طبقنا هذا الحديث على حديث تميم الداري صار معارضاً له؛ لأن ظاهر حديث تميم الداري أن هذا الدجال يبقى حتى يخرج، فيكون معارضاً لهذا الحديث الثابت في الصحيحين. وأيضاً فإن سياق حديث تميم الداري في ذكر الجساسة في نفسي منه شيء، هل هو من تعبير الرسول صلى الله عليه وسلم أو لا"

   وفي موضع آخر قال: "حديث الجساسة يخالف ما ورد في صفة الدجال في الصحيحين أنه رجلٌ قصير، قَطط، جعد الرأس أشبه ما يكون بعبد العزى بن قطن. والجساسة ليس على هذا السياق".

  وذكر في فتوى أخرى أيضا: "النفس لا تطمئن إلى صحة حديث الجساسة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لما في سياق متنه من النكارة، وقد أنكره الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره إنكاراً عظيماً؛ لأن سياقه يبعد أن يكون من كلام النبي صلى الله عليه وسلم". 

   فسأله أحد الحضور: "هل قال به أحد من السلف قبل محمد رشيد رضا ؟ فقال الشيخ: لا أعلم، لكن لا يشترط، وأنا لم أتتبع أقوال العلماء فيه؛ لكن في نفسي منه شيء".

** مثلث برمودا:
   ويبدو أن هذا الرأي لابن عثيمين يخالف جميع أقرانه ويمثل موقفا عقلانيا، يحاول قطع الطريق أمام من يروجون للخرافات وللأحاديث الكاذبة أوالضعيفة حول علامات الساعة، والتي تجد منابعها في الحكايات الإسرائيلة. بل وأصبحت عند بعض المؤلفين أشبه بقصص المغامرات وأفلام الخيال العلمي. ومثال ذلك كتاب  "احذروا المسيخ الدجال، يغزو العالم من مثلث برمودا" الذي ألفه محمد عيسى داوود.

   ففي هذا الكتاب نجد بعضا من هذه الأساطير حول هيئة الدجال، وقدراته العجيبة، وقلعته المخبأة تحت الماء، وبالضبط داخل مثلث برمودا في المحيط الأطلسي.

   ففي مقتطف من الكتاب نجد الأوصاف التالية: "المسيخ الدجال هو مُهَجَّنٌ، أو خليط بين الإنس والشيطان، صديق شخصي لإبليس، والعكس صحيح، وهما الآن ملكان يجلسان على عرش واحد أحدهما مرئي، والآخر لا مرئي إلا لجنسه من الأبالسة والجن.. وربما يكون عمره يزيد على 1500 سنة، فهو الشبيه البشري بإبليس، أو هو النسخة البشرية من إبليس"، ويضيف: "تحالف المسيخ الدجال مع إبليس ووقَّعَا عقدًا كتابيًّا بينهما، واتفقا على إنشاء قصر مركزي لإبليس قرب برمودا، على أن يكون مقرًّا مؤقتًا للدجال، يدير منه شؤون الكرة الأرضية"...
إلى آخره من الخرافات والأساطير التي ذكرها المؤلف حول شخصية المسيح الدجال وهيأته.

** رأي رشيد رضا:
   بعد هذا البسط  المطول لرأي ابن عثيمين انتقل الكاتب السعودي في مقاله لرأي الشيخ "رشيد رضا" صاحب الموقف العقلاني في قضية المسيح الدجال. فعلى غرار مواقفه الحازمة من كل أخبار علامات الساعة، كإنكاره لأحاديث المهدي، وتشكيكه في نزول عيسى ابن مريم، فقد تناول بالتفسير المدقق سورة الأعراف ورد فيه حديث الجساسة، وجرد شخصية المسيح الدجال مما نشر عنها من خوارق ومعجزات وقدرات، كتحكمه في الأمطار واحياءه للموتى أو قدرته على شق البحر...

   وكتلخيص لما قاله حول هذه المسألة، أورد في تفسير المنار: إن أحاديث الدجال مشكلة من عدة وجوه متناقضة : 
** أحدها منافاتها لحكمة إنذار القرآن الكريم الناس بقرب قيام الساعة وإتيانها بغتة. 
** ثانيها: ما ذكر فيها من الخوارق التي تضاهي أكبر الآيات التي أيد الله بها أولي العزم من المرسلين أو تفوقها: وتعد شبهة عليها كما قال بعض علماء الكلام، وعد بعض المحدثين ذلك من بدعتهم، ومن المعلوم أن الله ما آتاهم هذه الآيات إلا لهداية خلقه، التي هي مقتضى سبق رحمته لغضبه، فكيف يؤتي الدجال أكبر الخوارق لفتنة السواد الأعظم من عباده..
** ثالثها: وهو من متعلقات ما قبله، أن ما عزي إليه من الخوارق مخالف لسنن الله تعالى في خلقه: وقد ثبت بنصوص القرآن القطعية أنه لا تبديل لسنته تعالى ولا تحويل . 

   وهذه الروايات المضطربة المتعارضة لا تصلح لأن يعتد بها مما يوجب تساقطها. مؤكدا أن هذه الأساطير والخرافات تسربت إلى المسلمين عبر بني إسرائيل، خصوصا عن طريق بطل هذه الإسرائيليات الأكبر "كعب الأحبار" الذي كان يغش المسلمين، ليفسد عليهم دينهم وسنتهم، حيث نجح في خداع الكثير من الناس بعد إظهاره للتقوى والورع.

** هل هو تواتر معنوي؟
   يضيف الشيخ رشيد: "جملة أخبار الدجال قالوا: إنها متواترة، يعنون التواتر المعنوي، وهو أن لها أصلا، وإن لم يتواتر شيء من رواياتها. ويدل القدر المشترك منها على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كشف له وتمثل له ظهور دجال في آخر الزمان يظهر للناس خوارق كثيرة وغرائب يفتتن بها خلق كثير... وقد كشف له ذلك مجملا غير مفصل ولا بوحي عن الله تعالى - كما كشف له غير ذلك من الفتن - فذكره فتناقله الرواة بالمعنى فأخطأ كثير منهم، وتعمد الذين كانوا يثبتون الإسرائيليات الدس في رواياته...".

   ويبدو أن الكاتب السعودي يميل لرأي رشيد رضا عندما اختتم مقاله بقوله "نتيجة لكل ذلك كان لأستاذ رشيد رضا، الشيخ محمد عبده – رائد العقلانية الإسلامية الحديثة- موقفا أكثر صراحة وجرأة واختصارا في وصف المسألة حين قال: (إن الدجال هو رمز للخرافات، والدجل، والقبائح)".


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة